أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
506
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والتولّي والسّعي يحتملان الحقيقة أي : تولّى ببدنه عنك وسعى بقدميه ، والمجاز بأن يريد بالتولّي الرجوع عن القول الأول ، وبالسعي العمل والكسب من السّعاية ، وهو مجاز شائع ، ومنه : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 1 » ، وقال امرؤ القيس « 1 » : 901 - فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال « 2 » ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل * وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي وقال آخر : 902 - أسعى على حيّ بني مالك * كلّ امرئ في شأنه ساعي « 3 » والسّعاية بالقول ما يقتضي التفريق بين الأخلّاء ، قال : 903 - ما قلت ما قال وشاة سعوا * سعي عدوّ بيننا يرجف « 4 » قوله : فِي الْأَرْضِ « متعلّق ب « سعى » ، فإن قيل : معلوم أنّ السّعي لا يكون إلّا في الأرض قيل : لأنه يفيد العموم ، كأنه قيل : أيّ مكان حلّ فيه من الأرض أفسد فيه ، فيدلّ لفظ الأرض على كثرة فساده ، إذ يلزم من عموم الظّرف عموم المظروف ، و « ليفسد » متعلق ب « سعى » علة له . قوله : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ الجمهور على : « يهلك » بضم الياء وكسر اللام ونصب الكاف . « الحرث » مفعول به ، وهي قراءة واضحة من : أهلك يهلك ، والنصب عطف على الفعل قبله ، وهذا شبيه بقوله تعالى : مَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ « 5 » فإنّ قوله : « ليفسد » يشتمل على أنه يهلك الحرث والنسل ، فخصّهما بالذكر لذلك . وقرأ أبيّ : « وليهلك » بإظهار لام العلة وهي معنى قراءة الجمهور ، وقرأ أبو حيوة - ورويت عن ابن كثير وأبي عمرو - « ويهلك الحرث والنّسل » بفتح الياء وكسر اللام من هلك الثلاثي ، و « الحرث » فاعل ، و « النسل » عطف عليه . وقرأ قوم : « ويهلك الحرث » من أهلك ، و « الحرث » مفعول به إلا أنهم رفعوا الكاف . وخرّجت على أربعة أوجه : أن تكون عطفا على « يعجبك » أو على « سعى » لأنه في معنى المستقبل ، أو على خبر مبتدإ محذوف أي : وهو يهلك ، أو على الاستئناف . وقرأ الحسن : « ويهلك » مبنيا للمفعول ، « الحرث » رفعا ، وقرأ أيضا : « ويهلك » بفتح الياء واللام ورفع الكاف ، « الحرث » رفعا على الفاعلية ، وفتح عين المضارع هنا شاذّ لفتح عين ماضيه ، وليس عينه ولا لامه حرف حلق فهو مثل ركن يركن بالفتح فيهما . و الْحَرْثَ تقدّم « 6 » . والنّسل : مصدر نسل ينسل أي : خرج بسرعة ، ومنه : نسل وبر البعير ، ونسل ريش الطائر أي : خرج وتطاير ، وقيل : النسل الخروج متتابعا ، ومنه : « نسال الطائر » ما تتابع سقوطه من ريشه ، قال امرؤ القيس : 904 - وإن تك قد ساءتك منّي خليقة * فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل « 7 »
--> ( 1 ) سورة النجم ، آية ( 39 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 129 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 79 ) ، الإنصاف ( 48 ) ، الدرر ( 1 / 122 ) . ( 3 ) البيت لأبي القيس بن الأسلت وهو من شواهد البحر ( 2 / 115 ) ، اللسان « سعى » . ( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 115 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 98 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 71 ) . ( 7 ) البيت في ديوانه ( 13 ) ، شرح القصائد العشر ( 76 ) ، والخليقة والخلق واحد ، وقوله : ( فسلي ثيابي من ثيابك ) .